السبت، 21 أبريل، 2012

دولة الإخوان الاقتصادية

منذ سنوات قليلة، وعندما أفلس "بنك التقوى" التابع للإخوان المسلمين وأغلق أبوابه، خرج يوسف ندا، رئيس البنك ومفوض العلاقات الدولية لجماعة الإخوان المسلمين، إلى الرأي العام العربي والإسلامي ليقول؛ إن أكثر ما أحزنه هو؛ ضياع أموال المودعين!! ومنذ شهر أو يزيد وعندما قام مجلس الأمن بحذف اسم يوسف ندا من قائمة الداعمين للإرهاب، الأمر الذي ترتب عليه "فك الحصار المالي" عنه، أخذ المودعون يبحثون عن أموالهم الضائعة، إلا أنهم أيقنوا بعد فوات الأوان أن أموالهم ذهبت أدراج الرياح.



يبدو أن يوسف ندا هو مفتاح سر ” دولة الإخوان الاقتصادية”، فقد كان هذا الرجل هو همزة الوصل بين جماعة الإخوان في مصر والتنظيم العالمي للإخوان في كل دول العالم، كانت وظيفة يوسف ندا داخل الإخوان هي “مفوض العلاقات السياسية والدولية للجماعة ” لكنه فوق هذا لعب دورًا جوهريًا في تمويل الجماعة وإدارة مالها، خاصة وأنه كان رجل أعمال تنتشر شركاته ومؤسساته في عدد كبير من دول العالم، هذه المكانة الاقتصادية الفريدة جعلته يقوم بـ “نقلة”  مهمة في اقتصاد الإخوان، عندما قام بتأسيس بنك التقوى، كان هدف الجماعة من إنشاء هذا البنك هو؛ إنشاء بنك إسلامي يتعامل وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، وهو الأمر الذي ظل قابعًا في أمنيات الإخوان إلى أن حققه لهم ندا.
وضع البنك لائحة المساهمين الكبار فيه، ولا غرو، فقد كانوا من كبار العاملين في الحقل الإسلامي وكانوا ساعتئذ أكبر عامل جذب لصغار المساهمين الذين وضعوا مدخراتهم الأساسية فيه.
 ولكن لم تستقر أمور بنك التقوى، إذ سرعان ما بدأت  عدة جهات أمنية دولية في كشف مصادر تمويل البنك، واتخذت تلك الجهات العديد من الإجراءات  حتى انتهت بإثارة ما عُرف بـ “قضية الإخوان المسلمين وبنك التقوى” وتطورت الأمور حينما تم توجيه اتهامات لبنك التقوى بتمويل تنظيم القاعدة، فتم إشهار إفلاس البنك، وظل يوسف ندا قيد التحقيق لفترات طويلة.
وقد طرح إفلاس بنك التقوى وقتها سؤالًا لا يزال يتردد بقوة: هل جماعة الإخوان مؤسسة اقتصادية جعلت من الإسلام ستارًا لها؟ أم أنها جماعة إسلامية جعلت من الاقتصاد وسيلة لها؟
وإذا كان السؤال السابق قد تم طرحه منذ سنوات، إلا أنه للأسف الشديد لم يجد إجابة وافية حيث ظل معلقًا في سقف الحياة السياسية دون أن يرصد خباياه أحد أو يتوغل في أعماقه باحث، وإذا كان من حظي أن عشت في أرْوقة جماعة الإخوان سنوات وسنوات، وعايشت أحداثها عن كثب، وتداخلت مع أحزانها وأفراحها وكأنها قطعة مني وكأنني قطعة منها، فقد بات من لزوميات ” الشفافية ” التي افتقدتها جماعة الإخوان لسنوات، أن نفتح ” كشف حسابات الإخوان وأرصدتهم المالية “، إذ من حق كل أخ دخل الجماعة وانضم إلى محافلها، أن يعلم مسار الأموال التي دفعها كاشتراكات شهرية أو تبرعات أو صدقات أو زكاة. ليس هذا الحق للإخوان فقط بل من حق الكل ـ إخوان أو غير إخوان ـ أن ينظر لتلك الجماعة عن بصر وبصيرة. هكذا هو الإسلام وهكذا هي الشفافية.
ورغما عنا يجب أن نتحدث بلغة الأرقام، فالمقال الذي يتحدث عن المال يجب أن يقوم على الحقائق، وحقائق الأموال هي الأرقام.
وأول ما يطرح نفسه هو؛ ما مصادر ميزانية جماعة الإخوان؟ يقول قادة الإخوان في كل المناسبات: إن أموال الإخوان من جيوبهم. وهذا الطرح صحيح إلى حد ما، فاللائحة تلزم كل أخ بسداد اشتراك شهري يدفعه قربى للـه وعبادة له، يرفع بها شأن جماعته التي تسعى إلى ” تطبيق الإسلام واستعادة “أستاذية العالم” ، كما أن الأخ يقوم طواعية بسداد زكاة المال لجماعته، لتصريفها في الوجه الشرعي الذي تراه الجماعة. وإذا كانت جماعة الإخوان ما زالت تخفي ” حجم ميزانيتها وتطور العضوية فيها” حتى إن معظم بل غالبية أفراد الإخوان لا يعلمون شيئًا عن أموالها، فإننا سنضطر إلى الحديث بشكل تقريبي، ولكنه التقريب الذي هو أقرب ما يكون إلى الحقيقة.
تبلغ حجم اشتراكات أعضاء الجماعة – وهو البند الأول في ميزانية الجماعة – ما يقرب من نصف مليار جنيه سنويًا، يدفعها 400 ألف عضو عامل منتظم، وفقا لآخر إحصاء داخلي بالجماعة لسنة 2008. وليس كل عضو بطبيعة الحال يسدد الاشتراك الشهري؛ إذ توجد ثلاث فئات إخوانية يتم إعفاؤها من سداد الاشتراكات، الفئة الأولى: هن عضوات قسم الأخوات بالجماعة، إلا أنه ليس هناك ما يمنع من أن تقوم الأخت بسداد تبرعات اختيارية لدعم الأنشطة الإخوانية، وهو الأمر الذي يحدث بشكل دائم ولكن لا يوجد حصر له ولا وسيلة علمية لاستنتاج قيمته.
أما الفئة الثانية التي لا تسدد اشتراكات شهرية للجماعة؛ فهم الطلبة الذين يصل عددهم إلى نحو 30 ألف طالب إخواني تقريبًا، بالإضافة إلى عدد متغير من  فقراء الإخوان يصل أحيانًا إلى خمسة آلاف عضو، ويقل أحيانًا أخرى عن هذا العدد، وهؤلاء تمنعهم ظروفهم المادية من سداد قيمة الاشتراك الشهري.
وتصل قيمة الاشتراك الشهري؛ الذي تحدده لائحة الجماعة إلى 8 % من إجمالي الدخل الشهري للعضو، يقوم بسدادها أول كل شهر، وبالتالي ونظرًا لتفاوت الدخول بين أعضاء الجماعة وبعضها، فإن قيمة هذه الاشتراكات الشهرية دائمًا ما تأتي متفاوتة، حتى الفرد نفسه أحيانًا يسدد قيمة ما وأحيانا أخرى يسدد قيمة مختلفة.
ولكن بحسبة بسيطة نجد أن متوسط الاشتراك الشهري لعضو الجماعة يصل في الغالب إلى مائة جنيه، وأحيانا مائة وعشرين، فإذا ما قمنا باستبعاد الطلبة والفقراء يكون دخل الجماعة الشهري قيمته 40 مليون جنيه تقريبًا، أي نصف مليار جنيه سنويًا كدخل ثابت للجماعة من اشتراكات الأعضاء فقط.
وإذا كانت الجماعة قد دخلت إلى سوق المال الدولي، وأصبحت تستثمر جزءًا كبيرًا من أموالها في الخارج ـ وفقًا للدراسات التي أعدها بعض رجال الاقتصاد ـ  فقد بات حتميًا على حسب هذه الدراسات أن تحصل الجماعة على نصف مليار دولار  تقريبًا نسبة عائد علي استثماراتها في دبي وتركيا وهونج كونج، التي تصل جملتها إلى 2 مليار دولار، على حد ميزانية قيل إن أحد رجال الاقتصاد الكبار من الإخوان قام بإعدادها وعرضها على مكتب الإرشاد عام 2008.
ولكن أين تذهب هذه الأموال؟ من اليسير أن نعلم أنه يتم إيداع جزء كبير من هذه الأموال في بنك فيصل الإسلامي بأسماء أعضاء من الجماعة في حسابات مشتركة، كما أنه يتم تدوير بعض هذه الأموال في الاستثمار المباشر في دور النشر وإنشاء المدارس الخاصة وشراء الأراضي، كما يتم استثمار هذا المال من خلال العديد من شركات الإخوان العاملة في مجالات اقتصادية مختلفة.
ولكن هل ممارسة الإخوان للتجارة واحترافها الاقتصاد، واستغلالها اشتراكات الأعضاء في مجالات استثمارية يعد أمرًا مستجدًا أم أن الجماعة اصطحبته معها منذ نشأتها وحتى الآن؟
ليس من شك أن  ممارسة جماعة الإخوان للاقتصاد والتجارة مرتبطة ببداياتها، حيث أنشأ حسن البنا، بعد تأسيس الجماعة في الإسماعيلية، مدرسة خاصة أدارها كشركة اقتصادية. فقد كان التعليم هو محطة الاقتصاد الإخوانية الأولى.
لم تمح هذه التجربة الاقتصادية الربحية من ذاكرة حسن البنا حين انتقل إلى القاهرة، حيث ظلت مدرسة الإسماعيلية الخاصة، تداعب مشاعره وعقله، ومن أجل ذلك ما إن جاء عام ‏1946‏، حتى كوّن حسن البنا لجنة برئاسته لتأسيس عدة مدارس ‏(‏إخوانية‏)‏ ابتدائية وثانوية، وفى‏‏ جريدة “الإخوان المسلمون” أعلن الشيخ البنا عن مشروعه الاستثماري الوليد، وأبدى في كلمة كتبها في المجلة في عدد ‏10/7/1946، حماسة شديدة لهذا المشروع الاقتصادي التعليمي الذي رأى أنه “سيجلب الخير للأمة كلها ” وسيوطد أركان الجماعة ويجعلها تقترب من حلمها، ولذلك سارع المرشد البنا بفتح باب التبرع لبناء هذه المدارس، وقام عقب ذلك بتطوير الأمر ووضعه في إطاره الاقتصادي الاحترافي من خلال تأسيس شركة إخوانية، تكون مهمتها إدارة المدارس الإخوانية.
ومن عجب فإن الحكومة وقتها مدت يد العون لشركة الإخوان التي كانت تدير هذه المدارس، حيث قدمت الوزارة معونة للجماعة قيمتها‏75 ‏ قرشًا مقابل كل تلميذ يدرس في مدارسها‏، وهو مبلغ كانت له قيمته الكبيرة وقتها،‏ ثم كان أن قدمت الوزارة ـ من باب مساعدة المدارس الإخوانية ـ  لتلاميذها الكتب والكراسات مجانًا‏، وهو أمر انفردت به مدارس الإخوان عن باقي المدارس الخاصة وفقًا لما أورده مؤرخ الإخوان الراحل الأستاذ، محمود عبد الحليم، رحمه اللـه،‏ ثم قررت الوزارة حينئذ تغطية نفقات المدارس الإخوانية بالكامل، بحيث لا تَغَرَم الشركة الإخوانية التي تدير هذه المدارس مليمًا ولا، ومن خلال ذلك حصلت الجماعة من ذلك على أرباح مالية وسياسية هائلة‏،‏ فهي تتقاضي من جانب مصروفات من التلاميذ‏،‏ بينما الحكومة تغطي من جانب آخر نفقات المدارس‏،‏ أما التلاميذ وأولياء الأمور فهم يقعون بلا ريب تحت التأثير الإخواني المباشر، الأمر الذي يضمن للجماعة امتدادًا وشعبية وولاءً.
فتحت هذه المكاسب شهية المرشد‏ ورغبته الجارفة في أرباح متعددة الأشكال والأنماط ، فتكاثرت المدارس الإخوانية إلى درجة أن  البنا كان قد عزم على أن  تؤسس كل شعبة من شعب الجماعة مدرسة أو أكثر، وهو الأمر الذي كان سيتيح للجماعة إدارة أكثر من ألفي مدرسة ـ ولولا اغتيال البنا لتطور المشروع، ولكن موته أمات معه مؤقتًا رحلة المليار ـ وبعد النجاح الاقتصادي لتجربة المدارس الإخوانية وانتشارها اللافت للنظر،  قرر حسن البنا إعداد أول لائحة خاصة لجماعة الإخوان، وكان من البديهي أن يكون للنشاط الاقتصادي موقع متميز فيها، فجاء نص المادة الأولى من اللائحة مقررًا أنه : يجب تنمية روح التعاون الاقتصادي والتعاملي بين أعضاء الجماعة بتشجيع المشروعات الاقتصادية وتكوينها والنهوض بها ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: الآية 3)، ومنها :
-1 تأسيس المنشآت النافعة للأمة روحيًّا واقتصاديًّا ما أمكن ذلك، كالمشاغل والمستوصفات الطبية والعيادات الخيرية، والمساجد وإصلاحها وترميمها والإنفاق عليها، والإشراف على إدارتها وإحياء الشعائر فيها: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (النور: من الآية36).
-2 تنمية روح التعاون الاقتصادي والتعاملي بين أعضاء الجماعة بتشجيع المشروعات الاقتصادية وتكوينها والنهوض بها: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 2 ).
وجاء في المادة (28) من أن اللجان الأساسية بمكتب الإرشاد العام: اللجنة المالية – اللجنة الشرعية، ووضعت اللائحة عددًا آخر من اللجان إلا أن اللجنة المالية كانت هي الإرهاصات التي تمخضت عنها فيما بعد ” دولة الإخوان الاقتصادية “.
شركات الإخوان أم إخوان الشركات
مما لا شك فيه أن الاقتصاد ورأس المال كان هو الهاجس الذي شغل ذهن البنا، كان الرجل يدرك أنه بالمال يستطيع أن يفعل أي شيء، يستطيع ذات يوم أن يحكم، فالدارس لتاريخ حسن البنا يعلم أنه كان طموحًا غاية ما يكون الطموح، وأن فكرته تماست وتداخلت مع طموحاته، ومن أجل ذلك كان يؤهل نفسه للحكم، كما كان يعد نفسه ليكون ملكًا ذات يوم، ليس ملكًا على مصر ولكن خليفة للمسلمين!
دعا الشيخ حسن البنا أعضاء جماعته إلى فتح الشركات والاعتماد على العمل الحر،  وضع حسن البنا خلاصة فكرته الاقتصادية ـ أو بالأحرى تعليماته ـ في رسالة التعاليم التي أثارت فيما بعد قدرًا كبيرً من الجدل، والتي نشرها في مجلة الإخوان  قائلا: ” لابد أن يزاول العضو عملًا اقتصاديًّا مهما كان غنيًّا، وأن يقدم على العمل الحر مهما كان ضئيلًا ، وأن يخدم العضو الثروة الإسلامية بتشجيع المصنوعات الوطنية، فلا يقع قرشه في يدٍ غير إسلامية، وألا يلبس ولا يأكل إلا من صنع وطنه ” وكان من الطبيعي أن يستجيب له كل الإخوان، وكان إمامهم وأمامهم  البنا حين أسهم وأسهموا في إنشاء عدد من الشركات مثل:
-1 شركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج بشبرا الخيمة.
-2 شركة الإعلانات العربية.
-3 الشركة العربية للمناجم والمحاجر وهي شركة متخصصة في إنتاج الأسمنت والبلاط.
 -4 شركة التجارة وأشغال الهندسة لإنتاج مواد البناء وتدريب العمَّال على الحِرَف اليدوية كالسباكة والكهرباء والنجارة وباقي الحرف الأخرى.
-5 شركة المعاملات الإسلامية، وقد قامت هذه الشركة بإنشاء مصنع للنحاس وآخر للبلاط والإسمنت.

وغير هذه الشركات العديد من المشروعات الأخرى وعشرات المحلات التجارية والتي يصعب حصرها وعدها، والتي كانت تغل للإخوان ثروة ضخمة جعلت من الجماعة إمبراطورية اقتصادية كبرى تناطح كبرى المؤسسات الاقتصادية.
ملامح دولة الإخوان الاقتصادية.
 
لم يكن غريبًا أن يعارض الإخوان في بدايات الثورة قانون ” تحديد الملكية الزراعية ” فهذا القانون سيقف حجر عثرة أمام ركن ركين من أركان اقتصاديات كبار الجماعة وكبار ملاك الأراضي الزراعية الذين يتبركون ” بالإخوان ” ولعل أحدًا لم ينتبه إلى أن  جماعة الإخوان لم تعلن منذ بدايتها، ومن خلال مرشدها الأول ورسائله، أنها لا تتخذ موقفًا رافضًا لكبار ملّاك الأراضي الزراعية، إذ كانت تستفيد منهم حينما تحصل منهم على زكاة أموالهم وصدقاتهم لصالح الفقراء، لذلك وقفت جماعة الإخوان بكل قوة أمام قوانين الإصلاح الزراعي، وهو الأمر الذي أثار الخلافات بين الجماعة وبين رجال الثورة، وحينما تعددت الخلافات وفقدت الجماعة القدرة على الرؤية السياسية الواضحة، والقدرة على التنبؤ، دخلت الجماعة إلى السجون، وحين خرجوا في بداية السبعينيات وفي حكم السادات، خرجوا وهم يحملون في نفسهم ثأرًا استثمره السادات، ولكنهم عادوا إلى حلم الثروة مرة أخرى.
وحين تمددت رقعة التنظيم للإخوان في نهايات السبعينيات، استطاعت الجماعة حل معضلة كبيرة في نمو أي تنظيم سياسي، وهى مشكلة التمويل، إذ إن كل تنظيم سياسي يحتاج بلا ريب إلى مصادر تموّل له أقسامه ولجانه وأنشطته التي يقوم عليها نشر أفكاره.

وإذا كان المجتمع المصري قد استقبل في الثمانينيات، وفي فترة بدايات حكم الرئيس مبارك، شركات توظيف الأموال الإسلامية، وفتح جيوبه لها في ثقة متناهية، ذلك أنه لم يدر بخلد أحد من هؤلاء البسطاء، أن هذه الشركات تتاجر بالشعار الإسلامي دون أن  تعمل به، إلا أن جماعة الإخوان لم تكن بعيدة عن تلك الشركات، بل إنها كانت في قلب الحدث الاقتصادي القائم على توظيف الأموال من خلال شركات إخوانية، تعمل وفقًا لتوجيهات من مكتب الإرشاد، وكانت شركات الشريف والحجاز من هذه الشركات التي خلّفت وراءها مآسي ومذابح مالية أقيمت على نُصُب مكتب الإرشاد.
ظهر في أفق الإخوان شخصيتان اقتصاديتان من الطراز الأول هما؛ خيرت الشاطر وحسن مالك، وعلى يد هذين الرجلين انتقلت الجماعة إلى مرحلة أخرى هي “مرحلة المليارات” كانت بداية خيرت الشاطر وحسن مالك، عندما قاما بتأسيس “شركة سلسبيل لنظم المعلومات”  وقطعا شوطًا كبيرًا في مجال تقنيات المعلومات والحاسب الآلي، وعندما تنبّهت الحكومة المصرية للسطوة الاقتصادية لهذه الشركة، قامت بالقبض على الشاطر ومالك ومعهما آخرين على ذمة القضية التي عرفت بقضية “سلسبيل” ثم تم مصادرة الشركة وأموالها فيما بعد، وحين خرج الشاطر ومالك من سجنهما بعد أشهر قليلة بحثا عن أنشطة اقتصادية أخرى، ورغم حبس الشاطر فيما بعد في قضية عسكرية لمدة خمس سنوات، لم يخرج منها إلا عام 2000، فإن حسن مالك كان يعمل على قدم وساق، وقام بتأسيس عشرات الشركات بأموال الجماعة، وكانت شركة ” استقبال ” للأثاث هي أكبر شركاته، وفي غضون عام 2007، ظهر اسم خيرت الشاطر وحسن مالك في قضية غسيل الأموال الشهيرة، ليتصدر الاثنان قمة الهرم الاقتصادي الإخواني، باعتبارهما من أكبر رجال الأعمال في الجماعة، والأكثر تحكمًا في مصادر تمويلها محليًا.
وقد كشفت القضية الأخيرة حصرًا لبعض ـ وليس كل ـ الأموال التي تمتلكها الجماعة ويديرها اقتصاديوها، حيث تمت مصادرة ما يزيد على نصف مليار جنيه، ورغم أن هذا الجانب المالي من ميزانية الإخوان يعتبر يسيرًا بالنسبة للميزانية الإجمالية، فإنه كان مرهقًا للإخوان غاية ما يكون الإرهاق، وقد أوردت النيابة العامة  حصرًا لبعض رأس مال شركات المقبوض عليهم، فبلغ 1,5 مليار جنيه، أما عدد الشركات فقد كان 23 شركة، لها 120 فرعًا بمحافظات مصر.

 ثروة الإخوان في الخارج : 
 
 يقول البعض: إن أموال الإخوان مثل جبل الجليد لا يظهر منه إلا الجزء الأصغر، أما الجزء الأكبر فهو تحت الماء لا يراه أحد. فإذا كانت أموال الجماعة داخل مصر أصبحت ظاهرة أمام العيان، إلا أن الجزء الأكبر من ثروة الإخوان ما زال مختفيًا في الخارج، فعبر سنوات طويلة تكونت للإخوان خبرة تراكمية في إدارة المال، ومن خلال هذه الخبرة استطاعت الجماعة استعادة العلاقة بالأسواق الخليجية والتركية، وقامت بفتح شركات جديدة من الشركات عابرة القارات، ومشاركة رجال أعمال في تلك الدول؛ ممن لهم علاقة جيدة بأعضاء بالجماعة، كما تمت إعادة توجيه استثمارات الإخوان في شراء أسهم في شركات خارجية، وضخ أموال الجماعة في بورصة دبي، وافتتاح مشروعات جديدة في أبوظبي وقطر.
ولكن كل هذا قد يبدو ضئيلًا للغاية أمام التعاون الاقتصادي الكبير بين الإخوان ودولة تركيا، وقد كان لحسن مالك الدور الأكبر في إدخال جماعته إلى تركيا، حيث قام بالتعاون مع رجال أعمال بالحكومة التركية واتحاد رجال الأعمال والصناعيين المستقلين “الموصياد”، الذي صار الآن الذراع الاقتصادية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، ويتحكم فيما يقارب 12% من الاقتصاد التركي.
ويبدو أن مقولة البعض؛ بأن الإخوان يستطيعون شراء مصر بما فيها، من خلال مؤسسات مالية ضخمة أقامها الشاطر ومالك وشركات المقاولات وشركات الإنتربيلد والأثاث والمنسوجات التي يمتلكها قيادات الجماعة الآخرون مثل؛ محمود غزلان ومدحت الحداد وممدوح الحسيني وغيرهم هي؛ مقولة خالية من المبالغة، فأموال الجماعة تجعلهم الرأسمالي الأكبر في تاريخ مصر حتى رغم حجم الاموال التي تمت مصادرتها، لقيادات الإخوان في العامين الماضيين. والتي جعلت كثيرين يتوقعون أن تواجه الجماعة ومرشدها الجديد محمد بديع ازمة مالية تؤثر علي مخططاتهم القادمة خاصة خوض الإنتخابات التي تتطلب مبالغ ضخمة للإنفاق علي المرشحين إلا أن الرهان يظل علي الامكانيات الخفية للجماعة والتي لا يعرف عنها أحد شئ فهذه الامكانيات هي السبب في طمع بديع المرشد الجديد في عودة قوة الإخوان سياسيًا كما كانت جماعة قوية ماليًا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق